يزيد بن محمد الأزدي
549
تاريخ الموصل
--> - حصون بنى العباس في كل مأزق * صدور العوالي والسيوف البواتر فطورا يهزون القواطع والقنا * وطورا بأيديهم تهز المخاصر بأيدي عظام النفع والضر لا تنى * بهم للعطايا والمنايا بوادر ليهنكم الملك الذي أصبحت بكم * أسرّته مختالة والمنابر أبوك ولى المصطفى دون هاشم * وإن رغمت من حاسديك المناخر فأعطاه خمسة آلاف دينار فقبضها بين يديه وكساه خلعته ، وأمر له بعشرة من رقيق الروم وحمله على برذون من خاص مراكبه ، وذكر أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدني وكان مضحاكا له محداثا فكيها ، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته وكان ممن قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجان فبلغ من خاصته بالرشيد أن بوأه منزلا في قصره وخلطه بحرمه وبطانته ومواليه وغلمانه ، فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائما فكشف اللحاف عن ظهره ثم قال له كيف أصبحت قال يا هذا ما أصبحت بعد اذهب إلى عملك ، قال : ويلك ، قم إلى الصلاة ، قال : هذا وقت صلاة أبى الجارود ، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي فمضى وتركه نائما ، وتأهب الرشيد للصلاة فجاء غلامه ، فقال : أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة ، فقام فألقى عليه ثيابه ومضى نحوه ، وإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح فانتهى إليه وهو يقرأ : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي فقال ابن أبي مريم : لا أدرى والله فما تمالك الرشيد أن ضحك في صلاته ثم التفت إليه وهو كالمغضب فقال : يا بن أبى مريم في الصلاة - أيضا - قال : يا هذا وما صنعت ؟ قال : قطعت على صلاتي ، قال : - والله - ما فعلت ، إنما سمعت منك كلاما غمنى حين قلت : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي فقلت : لا أدرى - والله - فعاد فضحك ، وقال : إياك والقرآن والدين ، ولك ما شئت بعدهما ، وذكر بعض خدم الرشيد أن العباس بن محمد أهدى غالية إلى الرشيد ، فدخل عليه وقد حملها معه ، فقال : يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك ، قد جئتك بغالية ليس لأحد مثلها أما مسكها : فمن سرر الكلاب التبتية العتيقة وأما عنبرها فمن عنبر بحر عدن وأما بأنها فمن فلان المدني المعروف بجودة عمله ، وأما مركبها : فإنسان بالبصرة عالم بتأليفها حاذق بتركيبها ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يمن على بقبولها فعل فقال الرشيد لخاقان الخادم وهو على رأسه : يا خاقان أدخل هذه الغالية ، فأدخلها خاقان فإذا هي في برنية عظيمة من فضة وفيها ملعقة ، فكشف عنها وابن أبي مريم حاضر ، فقال : يا أمير المؤمنين هبها لي ، قال : خذها إليك فاغتاظ العباس وطار أسفا ، وقال ويلك عمدت إلى شئ منعته نفسي وآثرت به سيدي فأخذته ، فقال : أمه فاعلة إن دهن بها إلا استه ، قال : فضحك الرشيد ، ثم وثب ابن أبي مريم فألقى طرف قميصه على رأسه ، وأدخل يده في البرنية فجعل يخرج منها ما حملت يده فيضعه في استه مرة وفي أرفاغه ومغابنه أخرى ، ثم سود بها وجهه ورأسه وأطرافه حتى أتى على جميع جوارحه وقال لخاقان : أدخل إلى غلامي ، فقال الرشيد - وما يعقل مما هو فيه من الضحك - : ادع غلامه فدعاه فقال لي : اذهب بهذه الباقية إلى فلانة امرأته فقل لها : ادهنى بهذا حرك إلى أن أنصرف فأنيكك ، فأخذها الغلام ومضى والرشيد يضحك فذهب به الضحك ثم أقبل على العباس ، فقال : - والله - أنت شيخ أحمق تجىء إلى خليفة الله فتمدح عنده غالية ، أما تعلم أن كل شئ تمطر السماء وكل شئ تخرج الأرض له وكل شئ هو في الدنيا فملك يده وتحت خاتمه وفي قبضته ؟ وأعجب من هذا أنه قيل لملك الموت : انظر كل شئ يقول لك هذا فأنفذه فمثل هذا تمدح عنده الغالية ويخطب في ذكرها كأنه بقال أو عطار أو تمار ، قال : -